يتناول كتاب “المشكاة في تذكير الأئمة الوشاة وتنبيه الأئمة الهداة”، الذي كُتب في الجزائر بتاريخ 19 رمضان 1430 هـ الموافق لـ 09 سبتمبر 2009 م، قضية موقف العلماء والأئمة والدعاة من الظلم السياسي، والواجب الشرعي تجاه الحكام الجائرين، في ضوء النصوص الشرعية والمواقف التاريخية. يقع الكتاب في 35 صفحة، ويتسم بأسلوبه الحاد والصريح، ويعكس خطابًا توجيهيًا مباشرًا للأئمة والخطباء والعلماء داخل الجزائر وخارجها.
يركّز المؤلف الشيخ علي بن حاج على إدانة ظاهرة الصمت أو التواطؤ أو التبرير التي يمارسها بعض الأئمة تجاه الاستبداد والفساد، ويبيّن أن هذا الموقف لا يليق بمن يحمل رسالة الأنبياء، ولا يُرضي الله، ولا يخدم الأمة، بل يُعد من أعظم الخيانات. ويستعرض نصوصًا كثيرة من القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف التي تؤكد على وجوب قول الحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعدم الخوف إلا من الله.
ينطلق الشيخ من تذكير الأئمة بمسؤوليتهم الكبرى أمام الله والتاريخ، محذرًا من أن السكوت على الباطل مشاركة فيه، وخيانة لأمانة العلم والدين. ويشدد على أن وظيفة الإمام والداعية لا تقتصر على الوعظ الروحي أو تعليم الطهارة والعبادات، بل تشمل مواجهة الظلم السياسي، والقيام بواجب البلاغ والنصح للأمة والحاكم.
يعرض الكتاب جملة من النماذج التاريخية من سيرة الصحابة والسلف الصالح الذين لم يسكتوا على جور الحكام، ويستدل بمواقف أمثال أبي ذر الغفاري، وسعيد بن جبير، والإمام مالك، والإمام أحمد، وغيرهم، مبيّنًا أن العلماء الربانيين هم من يُعارضون المنكر علنًا، لا من يتذرعون بالفتنة أو المصلحة لتبرير الجبن أو الخنوع.
وفي جانب آخر من الرسالة، يخصص الشيخ نقدًا لاذعًا للأئمة الذين يستغلون المنابر لتجميل صورة الأنظمة المستبدة، أو لإدانة المعارضين والدعاة والمجاهدين، واصفًا إياهم بـ”الأئمة الوشاة”، ومؤكدًا أنهم أضرّوا بالإسلام أكثر من خصومه الظاهرين.
كما يُبرز أن انحراف كثير من الأئمة يعود إلى هيمنة وزارة الشؤون الدينية عليهم، وتحويلهم إلى موظفين إداريين تابعين للسلطة، لا يملكون الجرأة على مخالفة التعليمات، ولا الشجاعة على نصرة المظلوم أو الوقوف م�� الحق.
ويختم الشيخ الكتاب بنداء مفتوح إلى جميع العلماء والدعاة والخطباء، بأن يتقوا الله في دينهم، ويكونوا شهداء لله بالقسط، لا يخافون في الله لومة لائم، وأن يراجعوا مواقفهم، ويعيدوا الاعتبار للمنبر الإسلامي كمنبر هداية لا منبر دعاية، وكصوت للأمة لا بوق للسلطة.
يمثل هذا الكتاب وثيقة حية في سياق إحياء فقه البلاغ الجريء، ومقاومة تديين الاستبداد، وتحريض العلماء على التحرر من سلطان الدولة، وهو يُخاطب الأئمة من داخل موقعهم ومسؤوليتهم، بلغة مباشرة وقوية، مفعمة بالنصوص الشرعية والشواهد التاريخية.
